مـنـتـدايــات الأصدقــــــــــــــــــــاء

معلومات وثقافة | ادب وقصة | مسابقات | اناقة | مطبخ | شات | تفسير احلام | اخبار | اللغة الانجليزية | تحميل برامج | صور | شروحات
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  قائمة الاعضاءقائمة الاعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 الجسر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
MR/JOE
SiTe Owner
SiTe Owner


عدد المساهمات : 2559
نقاط : 9487

مُساهمةموضوع: الجسر   السبت 28 نوفمبر 2009, 6:20 pm

الجسر

في السنة الرابعة من فترة حكمه كوزير جليل، ودّع يوسف الحمق السياسي حيث راح ضحية مكيدة خطرة، وسقط- بشكل غير متوقع- في الهاوية- لقد دام كفاحه طوال شهور الشتاء والربيع اللذين كانا باردين مزعجين كأنهما يرفضا مجيء الصيف. في مايو بزغ نجم يوسف من النفي كمنتصر، غير أنه في ذلك الشتاء بلغ الحد بين الحياة والموت، بين التألق والانهيار، حداً أسمك قليلاً من حد السكين، إذ لم يبق من انتصار الوزير غير معنى النكد والخضوع، كان شيئاً لا يوصف، ذلك أن أصحاب التجارب حين يعانون النكوص والإحجام مثل ثورة مخبأة ينعكس ذلك لاشعورياً في نظرةٍ أو حركة أو كلمة تصدر عنهم أحياناً. وحين عاش في سجن وعزلة وخزي، ظلت ذكريات الوزير عن نشأته، وعن وطنه القديم تنمو بقوة، أما الإحباط والألم فكان يبعدهما دائماً عن ذهنه بالعودة إلى الماضي. عاد يستدعي أمه وأباه اللذين ماتا عندما كان مساعداً بسيطاً لسائس خيول السلطان، ثم أمر فيما بعد أن يُحدد قبريهما بالحجارة، وأن يُميَّزا بشواهد بيضاء. عاد يستدعي البوسنة وقريته (زيبا) التي أُخذ منها عندما كان في التاسعة من عمره.‏

إن لمن الممتع- في شقائه- أن يفكر بذلك الوطن النائي، والقرى المبعثرة، حيث حكايات نجاحه وتألقه في استانبول تروى في كل بيت، وحيث لا أحد يعرف أو حتى يشك بالجانب المضاد من وسام النصر، أو الثمن الذي أحرز به النجاح.‏

في ذلك الصيف وجد فرصة للحديث مع الناس القادمين من البوسنة، سألهم فأجابوه بما يعرفون: فبعد عدة اضطرابات وفتن أصابت الوطن بالشغب، والقحط والجوع وكل أنواع الأوبئة، أمر بمساعدة ضخمة لكل أقربائه الذين لا يزالون في قرية (زيبا)، وفي الوقت نفسه وجّه الموظفين ليكتشفوا الحاجة الأكثر إلحاحاً في مجال تعمير البناء. لقد علم أن عائلة (جتكيتش) لا زال لديهم أربعة بيوت وكانت الأغنى في القرية، لكن القرية وضواحيها قد أصبحتا قاحلتين، والمسجد قد سقط وانهار وأتلفته النار، والينابيع قد جفت، غير أن الحالة الأكثر سوءاً عدم وجود جسر فوق نهر (زيبا)، فالقرية تقف على تلٍ يمين التقاء نهري (زيبا) و( درينا)، والطريق الوحيد المؤدي إلى مدينة ( فيشجراد) يمر فوق ( زيبا) بحوالي خمسين ياردة من التقاء النهرين. ليس مهماً أي نوعٍ من الألواح الخشبية للجسر قد وضعت للعبور، لكن الماء كان يكتسحها دائماً، فالنهر (زيبا) يرتفع ماؤه بسرعة وبشكل غير متوقع، كما أن العواصف الجبلية في هبوبها تضعف الجسر وتقلع الألواح الخشبية، كما أن نهر (درينا) الذي يفيض فجأةً- وتندفع السيول منه في قناة (زيبا) فيدعّم فيضانها، فيرتفع مستوى المياه وتحمل الجسر بعيداً كما لو لم يكن، فإذا بقيت الألواح فإنها تصبح في الشتاء ثلجية ومنزلقة فتورد الناس وحيوانات الحمولة القبور. لذا فأي امرىء يبني لهم جسراً فإنه يقدّم خدمة عظيمة لهم.‏

أما الوزير فقد أهدى ست سجادات للمسجد، وقدم من المال ما يكفي لبناء نافورة بثلاثة صنابير في مقدمتها، وقرر- في الوقت نفسه- أن يبني لأهل القرية جسراً.‏

كان يعيش في استانبول- في ذلك الوقت- إيطالي متخصص في فن البناء، وقد صمّم عدة جسور قرب المدينة وبذلك كوّن له شهرة واسعة. فأوكلت له مهمة بناء الجسر، وهو الآن في طريقه إلى البوسنة برفقة سكرتير الوزير مع رجلين من المحكمة.‏

وصل الجميع (فيشجراد) قبل أن يذوب آخر ثلج الشتاء. ولعدة أيام ظل أهالي (فيشجراد) المشدوهين ينظرون إلى الأستاذ -البنّاء- العجوز المحدودب الظهر لكنه بوجه وردي شاب- وهو يفحص صخرة الجسر العظيمة هناك، يضرب عليها بمعوله ويفتت مفاصلها بين أصابعه، ويتذوقها بلسانه، ثم يقيس المداخل بخطواته. وقضى عدة أيام في (بانيا) حيث مقلع الحجارة الذي جلبت منه صخور جسر (فيشجراد)، واستأجر بعض العمال يوماً لينظفوا المقلع الذي امتلأ كلياً بالتراب والحشائش وشجيرات الشوكران(1)، ثم راحوا يحفرون ويحفرون حتى وصلوا إلى جذر واسع وعميق للصخرة التي كانت أكثر صلابةً وثقلاً من تلك التي استخدمت لجسر (فيشجراد). ونزل الأستاذ البنّاء إلى ضفة (درينا) مبتعداً قليلاً عن (زيبا) واختار موقعاً حيث يمكن أن تنصب الصخرة فيه على معبر الجسر. بعدها عاد رجالات الوزير إلى استانبول وبرفقتهم التصاميم والخطط والتكلفة.‏

ظل الإيطالي ينتظر عودتهم، لكنه لم يشأ البقاء في (فيشجراد) ولا في أي بيت مسيحي يشرف على (زيبا)، لقد بنى لنفسه قمرة خشبية على مرتفع بين (درينا) و( زيبا) ، وظل رجل الوزير وموظف ٍمن (فيشجراد) هناك يقومان بالترجمة. كان الإيطالي يخدم نفسه، يشتري البيض والزبد والخضراوات والفواكه المجففة، ويطبخ بنفسه وقد قيل أنه لم يشتر لحماً أبداً، كان طوال اليوم يرصف قطع الحجارة ثم يزيحها ويحل محلها أنواعاً أخرى من الحجارة للاختبار، وكان يدرس مجرى وتدفق نهر (زيبا). وفي غضون ذلك عاد الموظف الآخر من استانبول حاملاً موافقه الوزير وثلث الاحتياجات الضرورية.‏

وبدأ العمل في الجسر، كانت دهشة الناس للمنظر غير الطبيعي بلا حد، ظلوا يحدقون بذلك الشيء الذي يشبه الجسر. غاص الرجال في النهر ونصبوا جذعاً ضخماً مائلاً على معبر (زيبا) ووضعوا صفين من الأعمدة ربطوهما بالجذع بأغصان مجدولة، ثم قوّيت بالطين، فبدا الشيء كله مثل خندق.‏

وبهذه الطريقة حُوّل مجرى النهر ونشف نصف قاعه. لكن بعد اكتمال العمل انفجرت السحب في مكان ما على الجبال، وفجأة تغير لون النهر وارتفع الماء وانكسر- في تلك الليلة نفسها- وسط السد، ثم تراجع الماء عند فجر صباح اليوم التالي، لكن الدعامة انكسرت، وتفتت الأعمدة وانحرقت العوارض، وسرى بين العاملين والناس همسات بأن (زيبا) لا يريد جسراً يُمدّ عليه. لكن بعد ثلاثة أيام أمر الإيطالي بإعادة البناء من جديد، فحفروا هذه المرة أعمق، وأصلحوا العوارض المتبقية وأحكم وضعها، وجُفف القاع الصخري للنهر حتى أصبح يتردد فيه ضجيج المطارق وصراخ العمال وإيقاعات الرياح.‏

وعندما أصبح كل شيء جاهزاً، جُلبت الصخور من (بانيا) ووصل قاطعوا الصخور والبناؤون- من (هارزيجوقينا) و( دالماتيا)، وبنوا لأنفسهم أكواخاً خشبية مقابل المكان الذي يقطعون فيه الصخور، وطُليت بالجص فبدت بيضاء مثل الطواحين. كان الأستاذ يمرّ عليهم الواحد تلو الآخر بهمة متأكداً من عملهم وساحباً معه مثلثاً من القصدير الأصفر وبندولاً رصاصياً ثقيلاً مربوطاً بخيط أخضر. وحينما أنهوا عملية شقّ منحدري النهر، انتهى المال المخصص للعمل، وبدأ العمال يتذمرون، وظهرت بين العاملين إشاعةٌ أن لا فائدة ترتجى من هذا الجسر. بعض الرجال الذين وصلوا لتوهم من إسطنبول سمعوا أن الوزير قد تغير مزاجه، لا أحد يعرف ما هي القصة؟ فيما إذا كان مريضاً، أو أنه يواجه مشاكل أخرى، وأصبح الوصول إليه متعذراً، أو ربما أصبح منسياً وهجر الأعمال العامة التي بدأها في استانبول نفسها، لكن بعد أيام قليلة وصل أحد رجالات الوزير ومعهُ المتبقي من المال المخصص لبناء الجسر، وبدأ العمل مرة أخرى.‏

قبل إسبوعين من يوم القديس (ديمتروس) عبر الناس (زيبا) من خلال الجسر الخشبي بعد فترة قصيرة على انتهاء العمل الجديد. ولأول مرة يشاهدون جداراً أبيضاً ناعماً من الصخر المنحوت، مزخرفاً بأعمدة نصب السقالات مثل نسيج العنكبوت وصخور الإردواز الرمادية الغامقة ناتئةً على ضفتي النهر. ولم يمض وقتٌ طويلٌ.‏

حتى بدأ أول الصقيع وتوقف العمل مؤقتاً، فعاد البناؤون إلى بيوتهم خلال فصل الشتاء، أما الأستاذ الإيطالي فقد احتجب في قمرته الخشبية التي لم يخرج منها إلا نادراً. ظل طوال الوقت يفكر في خططه ويراجع حساب النفقات، ويخرج بين حين وآخر يعاين ما أُنجز من الجسر. وقبيل الربيع عندما بدأ ثلج النهر يذوب، كان الأستاذ يتجول حول مواد نصب السقالات والسدود، وغالباً ما يُرى القلق بادٍ على وجهه، وأحياناً كان يفعل ذلك حتى في الليل يتجول بمصباح في يده.‏

قبل يوم القديس (جورج) فقط عاد البناؤون واستأنف العمل، وفي منتصف الصيف بالضبط انتهى العمل في الجسر، وبفرح أنزل العمال أعمدة نصب السقالات، ومن بين شبكة العوارض والألواح الحديدية ظهر الجسر الأبيض المرتفع، جامعاً ضفتي النهر الصخرتين بقنطرة معلقة واحدة.‏

أشياء قليلة قد تكون أكثر صعوبةً في تخيلها من مثل هذا البناء المدهش في مكان منعزل مهمل، إنه يبدو كما أن كل ضفةٍ تدفع فيض زبد الماء نحو الضفة الأخرى، فتتصادم بأخرى لتشكّل قنطرة تبقى كذلك للحظات تتأرجح فوق الهوة، ومن خلال هذه القنطرة في نقطة متقدمة يمكن أن يرى المرء مدىً أزرقاً صغيراً لـ(درينا)، وبعمق من الأسفل تعلو قرقرة (زيبا)، ثم تذوب الرغوة الزبدية، العين قد تأخذ وقتاً طويلاً لتعتاد ذلك الخط الرفيع الخيالي جمالياً لتلك القنطرة التي تبدو كما لو أنها في طيرانها تعرض - عملياً- ذلك المنظر الطبيعي المتشابك المليء بالعليق والشوكران، لكنه في لحظةٍ يتلاشى ويختفي.‏

المزارعون من القرى المجاورة احتشدوا لمشاهدة الجسر، والمدنيون من (فيشجراد) و(روجاتيكا) جاؤوا أيضاً لتقديم إعجابهم به، متأسفين أنه بُني من الصخور البرية بدلاً من سوق مدينتهم.‏

"المهم أنه أعاد الحياة للوزير" تهامستَ الناس في (زيبا) وهم يمررون أياديهم فوق سور الجسر الذي كان مستقيماً وذا حوافٍ دقيقة كما لو أن نُحت من الجبن وليس من الصخر.‏

حتى بالنسبة لأوائل المسافرين الذين عبروا الجسر وقفوا متعجبين، أما الأستاذ البنّاء فقد صرف رجاله وحزم أمتعته وملأ حقائبه بالأدوات والأوراق، وعاد إلى استانبول مع رجلي الوزير.‏

غير أن حكايات عنه قد انتشرت بعد رحيله في المدينة والقرى. الغجري سليم- الذي حمل مشتريات الإيطالي على حصانه من (فيشجراد) والذي ليس أحدٌ مثله يرغب بالقمرة الخشبية- يجلس الآن في المقهى مرتاحاً يروي ويستعيد كل ما يعرفه عن الغريب، والله وحده يعرف كم مرة استعادها. "حقاً لم يكن كبقية الرجال، في الشتاء الماضي حين توقف العمل رحلتُ عنه لمدة عشرة- أو خمسة عشر يوماً، وعندما عدتُ كان كل شيء في فوضى، تماماً كما تركتها، كان هناك يجلس في قمرته الثلجية يغطي رأسه بدثار من جلد الدب ويلفُّ به وسطه، لا يظهر منه غير يديه، كل شيء كئيب في البرد. ظل يكشط الصخور، ويكتب، كشطٌ وكتابة فقط لا شيء غيرهما. كنت أُحمّل الحصان وكان ينظر إلي بعينيه الخضراوتين وحاجبيه الأسودين الكثيفين. وقد تعتقد أنه يوشك أن يقطع رأسي، لكن لم تصدر منه كلمة أو صوت، لم أرَ مثل هذا أبداً. إيه يا رجال، كيف كان ذلك الرجل يطقطق أصابعه ويثنيها إلى العظم خلال تلك الشهور الثمانية. وعندما انتهى العمل أخذناه عبر المركب ورحلنا به بعيداً إلى استانبول على حصانة، قد تتوقع أنه سيلتفت مرة واحدة وينظر إلى الجسر نظرة أخيرة، لكنه لم يفعل، إنه ليس هو الذي يفعل ذلك".‏

وكان صاحب الحانوت يمطره بكثير من الأسئلة عن الأستاذ البنّاء والحياة التي كان يحياها، وعن دهشتهم المتنامية، وأنهم لا يمكن أن يغفروا لأنفسهم حين يروه بين شوارع وأزقة (فيشجراد) فلا يُولوه اهتمامهم.‏

في غضون ذلك كان الأستاذ في طريقه إلى الوطن، ولم يمض سوى يومين على رحلته إلى استانبول حتى بدأ يشعر أنه مريض بالطاعون، فحين وصل المدينة أصابته قشعريرة عالية، كان بالكاد يمسك صهوة حصانه، فذهب مباشرةً إلى المستشفى الإيطالي- الفرنسي، وفي اليوم التالي، في نفس الساعة شهق شهقته الأخيرة بين يدي الممرضة.‏

في فجر اليوم التالي علم الوزير بموت الأستاذ، واستلم المتبقي من الحسابات ومخططات الجسر، وتبين أن الأستاذ استلم ربع أجوره فقط، وأنه لم يترك حساب توفير أو أموالاً سائلة، ولم يترك وصيةً ولا ورثة. وبعد مداولة طويلة أمر الوزير أن يصرف ثلث أجوره الذي لا يزال محفوظاً له للمستشفى، ويُستخدم الثلثان الآخران كوقف لصالح الأيتام.‏

وحين كان الوزير يصدر هذه التعليمات في ذلك الصباح الرائع في نهاية الصيف، قُدّمت له رسالة من مدرس شاب بوسني مثقف له بعض القصائد الرقيقة التي كان الوزير يقدّرها ويحتفل بها. جاء في الرسالة أنه (الشاب) قد سمع بالجسر الذي بناه الوزير في البوسنة، ويأمل- مثل كل الأعمال العظيمة- أن يقام نقش رخامي يدوّن عليه تاريخ بناء الجسر واسم الذي أمر ببنائه، وأنه- كما جرت العادة أن يعرض خدماته على الوزير دائماً ويحفى بقبوله- يتشرف أن يقوم بنقش اللوح الرخامي، وقد صاغه في رسالته باعتناء شديد يثير الإعجاب، وفي ورقة منفصلةٍ نفيسة كتب بخط مرتب جذاب، وبالأحمر المذهب للحروف الأولى من الكلمات، هذه العبارة:‏

عندما تتشابك مهارة الأيدي الفائقة‏

مع إدارة حكيمة‏

يولد مثل هذا الجسر المدهش‏

يمتّع الرجال، ويُمجّد يوسف‏

في العالمين‏

وتحت العبارة كان ختم الوزير البيضاوي المقسم إلى قسمين غير متساويين: القسم الأكبر يحمل عبارة (يوسف إبراهيم العبد المخلص لله)، والأصغر يحمل شعاره الخاص: (في السكوت سلامة).‏

جلس الوزير وقتاً طويلاً وهو يتفحص الرسالة أمامه، كانت إحدى راحتيه مثبتة على نقش الشعر، والأخرى على التصاميم وحسابات الأستاذ البنّاء، كأن يريد- فيما بعد- أن يصرف وقتاً أطول وأطول ليدرس تلك الأوراق والوثائق الرسمية، لكن.‏

في الصيف الماضي مرت سنتان على سقوطه ومعاقبته. في عودته الأولى للنفوذ. لم يلاحظ تغيراً في نفسه، لكن تلك الفترة كانت أفضل الفترات بالنسبة لرجل عرف وشعر بالقيمة الكاملة للحياة، لقد هزم خصومه وكان أكثر قسوة من أي وقت مضى. غير أن سقوطه المؤلم الأخير أعاق عن قياس القوة الحقيقية لنفوذه. حتى الآن وكلما مرت الأشهر وبدلاً من نسيان سجنه كان يشكو أكثر وأكثر من تذكر تلك الفترة، حتى في الأوقات التي نجح في غلق ذهنه عن مثل تلك الأفكار، لكنه كان ضعيفاً لمنع الأحلام التي أصبحت تلازمه والتي يثيرها مفتش السجن، ومنها تلك الكوابيس الليلية التي يدخل فيها عليه المفتش كمفزّع مجهول حتى ساعات يقظته، مسمّماً أيامه.‏

لقد أصبح أكثر حساسية تجاه الأشياء حوله، أشياء معينة لم يكن أبداً قد لاحظها من قبل، بدأت تزعجه الآن. كان قد أمر أن تخرج كل الأقمشة المقصبة من القصر، وأن تستبدل بأقمشة منسوجة يدوياً، فاتحة الألوان، ناعمة ورقيقة، ولا تحدث خشخشة عند لمسها. كما أبدى أيضاً شيئاً من الكراهية لأمّ اللآلىء(2)، إذ طالما كانت ترتبط في فكره بقفر بارد معين وبعزلته الحاضرة، ولمجرد لمسها أو النظر إليها فإن أسنانه تصطك ويمتلأ جلده ببثور كاوية، لذا فكل الأثاث والأسلحة التي تحتوي على أمّ اللآلىء نقلت من مسكنه.‏

بدأ يتفحص معظم الأشياء بكتمان وارتياب عميقين، في مكان ما في أعماق ذهنه كانت هناك فكرة مغروسة مؤداها: أن كل إنسان يعمل ويتكلم يمكن أن يجلب الشر. هذه الاحتمالية وُجدت الآن مندسّة في كل شيء تقريباً، فيما يسمعه أو يراه أو يلفظه أو يفكر به. الوزير المنتصر أصبح خائفاً من الحياة، لذا- ودون أن يكون شاعراً بالخوف- كان يدخل تلك الحالة التي هي أول مظاهر الموت، حيث يبدأ اهتمام الإنسان يتركز على ظلال الأشياء أكثر من الأشياء نفسها.‏

راحت هذه الآفة تعتمل وتغلي في صدره، ولا أحد يستطيع حتى أن يفكر بقبول هذه الفكرة الضارة أو يعتقد بها، وأخيراً عملت هذه الآفة عملها وطفحت على السطح، ولا أحد يرغب أن يماثله للتعرف عليها. كان الناس يصفونها ببساطة: بالموت. هؤلاء الناس ليس لديهم فكرة عن عدد الشخصيات القوية والعظيمة في هذا العالم يموتون في مثل هذه الطريقة بصمت ودون وعي وبسرعة.‏

في ذلك الصباح، كان الوزير تعباً من قلة النوم، لكنه كان هادئاً، رابط الجأش، رمشاه ثقيلان، ووجنتاه باردتان في ذلك الصباح المتألق، ظلّ يفكر بالأستاذ البنّاء الأجنبي الذي مات، وبالأيتام الذين يطعمون على نفقته، ظلّ يفكر بأرض البوسنة الجبلية المتنوعة التضاريس والكئيبة والتي لم ينجح حتى ضوء الإسلام إلاّ جزئياً في إنارتها، حيث الحياة خالية من الرقة واللطافة والجمال، كانت حياة فقيرة ووحشية وقاسية، ترى كم عدد المناطق التي يعوزها ماء الشرب؟ كم عدد المساجد بلا زخرفة وجمال؟‏

في نظره أن الأرض توسعت كثيراً لكنها لا تزال مليئة بأنواع من العوز والجدب والخوف على أشكاله.‏

الشمس تشرق- متوهجةً على آجرات خضراء صغيرة في جدار الحديقة نظر الوزير إلى مخطوطة شعر المدرس الشاب، رفع يده ببطء ثم قبضها مرتين، انتظر برهة ثم نزع النصف الأعلى من الختم الحامل اسمه، وبقي الشعار فقط (في الصمت سلامة) وقف لبعض الوقت محدّقاً في ذلك ثم رفع يده مرة أخرى وقبضها أيضاً.‏

فكيف أصبح الجسر لا يملك اسماً ولا نقشاً محفوراً.‏

ومرةً أخرى كان الجسر في البوسنة يتلألأ تحت الشمس، ويومض تحت ضوء القمر الجديد، والرجال والماشية ظلوا يمرون عليه ذاهبين عائدين، وشيئاً فشيئاً بدأ تراب الحفر الزائد والأشياء المبعثرة.‏

تتلاشى دون أثر، فقد راح الناس ينقلون، والنهر يجرف كل الدعائم المكسورة والسقالات المتبقية، وقطع الحجارة. ونظّفت الأمطار آخر آثار العمل والصخور المتفتتة، لكن الوضع لا يزال: لا منظر الطبيعة يمكن أن يتلاءم مع الجسر، ولا الجسر يمكن أن يتلاءم مع المنظر. وحين تنظر إليه من الجنب ترى سياج الجسر الأبيض الممتد الشديد الانحدار وكأنه مفصول ووحيد يصيب المسافر بالدهشة مثل فكرة غريبة شردت وعُلّقت وسط الصخور في البرية.‏

راوي هذه الحكاية كان أول من فكر في النظر في أصل الجسر، حدث هذا في ليلةٍ عندما كان عائداً من الجبال، وشاعراً بالإرهاق، جلس بجانب الحاجز، كان ذلك في فترة من الصيف حيث تكون النهارات فيه محرقة، والليالي قارصة البرودة، وحين مال على الصخر، أحس أنه لايزال دافئاً من حرارة النهار، فعرق ثم هبَّ نسيم بارد من جانب (درينا). كانت المتعة- غير المتوقعة- في لمسة تلك الحجارة المنحوتة الدافئة، لقد أحس بصلة وئام بينه وبين الجسر، عند ذاك قرر أن يكتب قصة الجسر.‏

* آيفو أندريتش، ولد سنة 1892، ودرس في زغرب وفينا. كتب عدداً من الروايات والقصص القصيرة. حصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1961.‏

عمل في السلك الدبلوماسي وتنقل بين عدد من المدن الأوربية، روما، مدريد، جنيف، برلين، ورغم تنقلاته ظل موطنه الأول (الإقليم) بما فيه من قيم ونماذج اجتماعية منبعاً لكل أعماله. من رواياته، روايتا (قصة بوسنية) و(جسر فوق درينا) نشرتا سنة 1945، وترجمتا إلى الإنجليزية سنة 1959.‏

تظهر في أعماله فلسفته الحتمية، ومعنى الشفقة، كما يتسم أسلوبه بالإيجاز والوضوح واللغة الجميلة الصافية. لاحظت لجنة نوبل أنه يمتاز في أعماله بالنفس الملحمي وخاصة في روايته (جسر فوق درينا).‏

1- الشوكران : نبات يستخرج من ثمرة شراب سام.‏

2- أمّ اللآلىء : مادة صلبة ناعمة قزحية اللون تشكل بطانة بعض الأصداف وتستخدم في صنع الأزرار والُحلي.‏

3- المخاضة : موضع من النهر يسهل خوضه.‏


آيفو أندريتش

__________________________________

التوقيع

يمكن للزوار وضع ردود على المواضيع دون تسجيل فى المنتدى

شرح التحميل من رابط فى المنتدى

http://wefriends.ahlamontada.com/t2883-topic#3409

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://wefriends.ahlamontada.com
 
الجسر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مـنـتـدايــات الأصدقــــــــــــــــــــاء :: الملتقى العام :: الادب والقصة-
انتقل الى: